
ذكر الإمام حسن البنا في مذكرات الدعوة والداعية قصة ذلك الإمام الذي غير نفسيات العمال فحاول مدير الشركة فصله فرفض قال :
" طلب العمال إلى الشركة أن تبني لهم مسجدا إذ كان عددهم أكثر من ثلاثمائة عامل. وفعلاً استجابت الشركة لمطلبهم وبني المسجد وطلبت الشركة من الجماعة بالإسماعيلية انتداب أخ من العلماء يقوم بالإمامة والتدريس، فانتدب لهذه المهمة فضيلة الأخ المفضال الأستاذ الشيخ محمد فرغلي المدرس بمعهد حراء حينذاك.
وصل الأستاذ فرغلي إلى البلاح وتسلم المسجد وأعد له سكن خاص بجواره. ووصل روحه القوى المؤثر بأرواح هؤلاء العمال الطيبين. فلم تمضي عدة أسابيع وجيزة حتى ارتفع مستواهم الفكري والنفساني والاجتماعي ارتفاعا عجيباً: لقد أدركوا قيمة أنفسهم وعرفوا سمُوَّ وظيفتهم في الحياة وقدَّروا فضل إنسانيتهم، فنزع من قلوبهم الخوفَ والذلَّ والضعفَ والوهن واعتزُّوا بالإيمان بالله وبإدراك وظيفتهم الإنسانية في هذه الحياة - خلافة الله في أرضه - فجدُّوا في عملهم اقتداء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه . " ثم عفُّوا عما ليس لهم، فلم تأسرْهم المطامعُ التافهة ،ولم تُقــــيِّدْهم الشهواتُ الحقيرةُ وصار أحدُهم يقف أمام رئيسه عاليَ الرأس في أدب، شامخَ الأنف في وقار، يحدّثه في حجة ومنطق ، لا يقول ولا يقبل منه كلمة نابية أو لفظة جافية أو مظهراً من مظاهر التحقير والاستصغار كما كان ذلك شأنهم من قبل ، وتجمعوا على الأخوة، واتَّحدوا على الحب والجد والأمانة - ويظهر أن هذه السياسة لم تعجب الرؤساء وقرروا أنه إذا استمر الحال على ذلك ستكون السلطة كلها لهذا الشيخ ، ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يكبَح جماحَه وجماحَ العمال.
ظن الرؤساء هذا في الشركة وفكروا في إقصاء هذا الشيخ القوي الشكيمة عن العمل، وأرسل إليه الرئيسُ المباشر فلما توجَّه إليه قال له: إن المدير أخبرني بأن الشركة قد استغنت عن خِدْماتك ، وأنها تفكر في انتداب أحد العمال للقيام بعملكم في المسجد ، وهذا حسابكم إلى اليوم حسْب أمر المدير .فكان جواب الشيخ له بكل هدوء:
ما كنت أظن يا مسيو فرانسوا أنني موظف بشركة جباسات البلاح ، ولو كنت أعلم هذا ما قبلت العمل معها، ولكني أعلم أنني موظف من قبل الإخوان المسلمين بالإسماعيلية ، وأتقاضى مرتبي منهم محولاً عليكم ، وأنا متعاقد معهم لا معكم على هذا الوضع، وأنا لا أقبل منك مرتباً ولا حساباً ولا أترك عملي في المسجد ولا بالقوة إلا إذا أمرني بذلك رئيس الجمعية التي انتدبتني هنا وهو أمامكم بالإسماعيلية فاتفِقوا معه كما تريدون واستأذن وانصرف. وسُقِط في يد إدارة الشركة وصبرت أياماً لعل الشيخ يطلب منها مرتبه ، ولكنه كان قد اتصل بي (بالشيخ حسن البنا) في الإسماعيلية فأوصيته بالتمسك بموقفه وألا يدع مكانه بحال وحجته معقولة ولا شيء لهم عنده.
لجأت الشركة إلى الإدارة واتصل مديرها المسيو ماينو بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بالمأمور بالإسماعيلية وأوصاه أن يقوم على رأس قوة لعلاج الموقف ، وحضر المأمور بقوته وجلس في مكتب المدير، وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد وأجاب الرسول: لا حاجة لي عند المأمور ولا عند المدير وعملي بالمسجد ، فإذا كان لأحدهما حاجة فليحضر لي. وعلى هذا فقد حضر المأمور إلى الشيخ وأخذ يطلب إليه أن يستجيب لمطالب المدير ويترك العمل ويعود إلى الإسماعيلية ، فأجاب بمثل ما تقدم قال له: تستطيع أن تأتيني من الإسماعيلية بكلمة واحدة في خطاب فأنصرف. ولكنك إذا أردت استخدام القوة فلك أن تفعل ما تشاء ولكني لن أخرج من هنا إلا جثة لا حراك بها ، ووصل النبأ إلى العمال فتركوا العمل في لحظة واحدة ، وأقبلوا متجمهرين صاخبين وخشي المأمور العاقبة، فترك الموقف وعاد إلى الإسماعيلية واتصل بي ( بالشيخ حسن البنا)للتفاهم على الحل ولكنى اعتذرت له بأنني مضطر إلى التفكير في الأمر وعقد مجلس إدارة الجمعية للنظر ثم أجيبه بعد ذلك، وفي هذه الأثناء يؤسفني أن أقول إنني حضرت إلى القاهرة لمقابلة العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة الشركة فوجدت منه كل إعراض عن مصالح العمال وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها، وكل تجرد من أية عاطفة، فيها معنى الغيرة الوطنية.
قابلت بعد ذلك مدير الشركة وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصاً يستسلم لمطالبهم وكان من كلامه كلمة لا أزال أذكرها: “ إنني صديق للكثير من زعماء المسلمين ولقد قضيت في الجزائر عشرين سنة ولكني لم أجد منهم أحداً كهذا الشيخ الذي ينفذ علينا هنا أحكاماً عسكرية كأنه جنرال تماماً” فناقشته في هذا الكلام وأفهمته أنه مخطئ، وأن الشركات هي التي تقسو على العمال وتنقص من حقوقهم وتستصغر إنسانيتهم وتبخل عليهم وتقتر في أجورهم في الوقت الذي يتضاعف ربحها ويتكدس، وإن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج نظم هذه الشركات ووجوب قناعتها باليسير من الربح، واتفقنا أخيراً على أن يبقى الأستاذ الشيخ فرغلي شهرين حيث هو وأن تقوم الشركة بتكريمه عند انتهاء هذه المدة وأن تطلب رسمياً إلى الإخوان من يحل محله من المشايخ وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه وتعنى بسكنه ومطالبه، وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي وتسلم مكانه فضيلة الأستاذ الشيخ شافعي أحمد واستمرت الدعوة تشق طريقها في هذه الصحراء (بسم الله مجريها ومرساها). "