
قال أبوبكر بن العربي في سراج المريدين عند شرح قوله تعالى:
(قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ): «لما علم من قوة نفسه، ورأى من تضييع الحق وتعطيل الحدود، وفساد الخلق في الأرض، ما حمله على إرادة إظهار الحقوق، ففي ذلك إسوة لمن قَدَرَ من نفسه على القيام بالحق أن يَقْبَلَهُ إذا جُعِلَ إليه.
ولقد اقتديت إسوة بذلك، مع أني من أكثر الخلق ذنوباً وعيوباً، وأقلهم منزلةً به، فإني لما دعيت إلى ولاية القضاء قَبِلْتُه مختاراً لمعاينتي للباطل
قد دمّر الأرض، فأردت أن أصلح ما تمكنت منها، من كف الظلم والاعتداء ، وبث الأمن، وحفظ الأموال، وكف الأطماع، والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، وفك الأسير، والتحصين على الخلق بالسور، والمساواة في الحق بين الصغير والكبير، فحكمتُ حتي أرِجَت أقْطَارِي، وَرُفِعَ السَّمَر بِأخْبَارِي، فَضَجَّ العُداة، وظهر الولاة حين صَفِر وِطَافُهُم من الحرام، وابيضت صحائفهم من الآثام، فَدَسُّوا إليّ نفراً من العامة فثاروا علي، وساروا إليّ، فَنُهِبَت داري، وهم قيام ينظرون، ولا يغيرون ولا ينكرون، فانتشلوا مالي، وهدموا مسجدي وداري...، وتعرضوا لنفسي فَكَفَّ الله أيديهم عني، ولقد وطّنتها على التلف وأنا أنشد لخُبَيْب:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً * عَلَى أيِّ جَنْبٍ كَانَ في الله مَصْرَعِي
وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن الأقدار لكنت قتيل الدار.
رحمك الله تعالى ما احوجنا إلى مثلك