
إن للحب أيا كان سببين أصليين تتدلى منهما غصونه وتتفرع فروعه وهما: (الكمال) ؛فالنفوس مجبولة على حب الكمال مفطورة على الانبهار به والتعلق بمن رزقه. و (الإحسان) ؛ فإن القلوب مفطورة على حب من أحسن إليها.
ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له الحظ الأوفر والنصيب الأوفى من الأمرين ،لا يدانيه في ذلك أحد من الناس ، ومن هنا كان السبب الأول لمحبته صلى الله عليه وسلم :
معرفته ؛ فمن عرف معجزاته وشمائله امتلأ قلبه من محبته وهيبته ، لأنه أكمل الناس خلقا وخلقا ، قال أنس بن مالك :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وأحسن الناس ، وأشجع الناس .
ويكفي في كماله صلوات الله وسلامه عليه قول الله تعالى " وإنك لعلى خلق عظيم " فهو العظيم في كل كمال
ورحم الله شاعر شنقيط محمد ُّبن محمد العلوي حين قال :
أهدى إليه قديما من بدائعه * كعب وحسان والهمزي ما كثرا
أشدوا به وأناروا ثم ما بلغوا * كلا لعمريَ من معشاره العشـرا
أثنى عليه بما قد كان ناسبه *رب العبـــــاد فما ذا تبلغ الشعرا
ورحم البوصيري إذ يقول:
فانسب إلى ذاته ما شئت من شرف * وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس لــــــــــه * حد فيعــــــــــرب عنه ناطــــق بفم
*أما إحسانه صلى الله عليه وسلم على البشرية كلها وعلى أمته خصوصا فأمر لا يحصى ولا يستقصىويكفي فيه قول الله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
إنه المعلم بفضل الله من الجهالة ، والمنقذ من الضلالة ، والمسعد من الشقاء، والمخرج من الظلماء
إنه الذي عرفنا بربنا ، وعلمنا أن نذكره ونشكره ونحسن عبادته ، وسلك بنا طريق كرامته الموصلة إلى دار رحمته ورضوانه ، المنعمة برؤيته وجواره وبذلك تجلت منة الله العظمى به صلوات الله وسلامه عليه.
إن كل عزة وكرامة وبركة ورحمة ونصر ورفعة نالت هذه الأمة في عمومها أو خصوصها إنما نيلت به صلى الله عليه وسلم.
فقد كان أرحم بنا من أنفسنا، و أرأف بنا من امهاتنا .
وإليك -أخي الكريمَ طرفا- من النصوص يُظهر بعض إحسانه صلى الله عليه وسلم علينا ومنته لدينا وهو غيض من فيض :
قال تعالى: (لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) التوبة(128) (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) آل عمران(164) (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران (159) (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) الشورى )53(
عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول عيسى: { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فرفع يديه فقال: "اللهم أمتي". وبكى، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد -وربك أعلم-فاسأله: ما يبكيه؟ فأتاه جبريل، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل:إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك.. رواه مسلم
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ فَيَسْتَحِي فَيَقُولُ ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ فَيَقُولُ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ فَيَقُولُ لَسْتُ هُنَاكُمْ ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنَ لِي فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ.
رزقنا الله جميعا محبته واتباعه وجواره وشفاعته